السيد محمد تقي المدرسي
92
من هدى القرآن
البحوث العلمية الحديثة . قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً كان أمام ذي القرنين وهو صاحب السلطة أن يتخذ أحد الطريقين . أما طريق الجور والإرهاب ، وأما طريق العدل والإصلاح . [ 87 ] قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً يقول بعض المفسرين أنّ الظلم هذا هو الشرك . وأن الله - في قُلْنَا حيث فسرها الأثر أنها بحكم الوحي ، أو الإلهام أو بواسطة نبي كما في قصة طالوت - إنما خُيّر ذا القرنين بين التعذيب والتيسير ، لأن أولئك الناس كانوا كفاراً ، وكان يمكنه أن يعذبهم حتى ينزعوا عن الكفر ، كما أنه كان يمكنه أن يبدأهم بالدعوة فمن آمن منهم عدل معه ، ومن أشرك عامله بالعنف ، قال العلامة الطبرسي في مجمع البيان : [ في هذا دلالة على أن القوم كانوا كفاراً ، والمعنى أما أن تعذب بالقتل من أقام منهم على الشرك ، وأما أن تأسرهم وتمسكهم بعد الأمر لتعلمهم الهدى ، وتستنقذهم من العمى ] « 1 » وبالرغم من أن هذا التفسير محتمل ، ويدل ذلك على : أن السلطة الإسلامية هي السلطة الت - ي تتعامل مع الناس حسب معتقداتهم ، ولكنني أرى أن الظلم هنا إنما هو بمفهومه المعروف كإغتصاب حقوق الآخرين ، بدليل المقابلة بينه وبين الإيمان في العمل الصالح في قوله سبحانه وتعالى : [ 88 ] وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً مما يدل على أن السلطة الإسلامية تعامل الناس على أساس أعمالهم وليس على معتقداتهم ، صحيح أن المعتقدات تنتهي في الأعمال ، والإيمان ينتهي إلى العمل الصالح ، والشرك ينتهي إلى الظلم ، ولكن المهم أن الجزاء ليس بالمعتقدات وإنما على الأعمال فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً وعلى هذا يكون قوله تعالى : إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ . . . . في مساحة الاستخبار لا التخيير ، ويؤكد هذا جواب العبد الصالح وهو يكشف عن سياسته . لقد أدى إيمان ذي القرنين بالله واليوم الآخر إلى اتخاذ السياسة الصحيحة في الحكم والإدارة ، وهي اتباع العدل والحق ، وخدمة الناس وتيسير أمور الرعية ، وتحريرهم من أنماط القهر التي يتبعها الحكام المنحرفون . [ 89 ] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ذو القرنين استفاد أيضا من الأسباب ، واستخدم عمله وعلمه في طريق آخر نافع . [ 90 ] حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 6 ص 634 .